الرقيق القيرواني

58

تاريخ افريقية والمغرب

وجاءه العرب ممن سافر معه وممن خلفه مع ابنه عبد اللّه بإفريقية ، فلما احتفل المجلس ، قال : « قد أصبحت اليوم في ثلاث نعم ، اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين » ، فقرأ كتاب الوليد بشكره والثناء عليه ، ووصف ما أجرى اللّه تبارك وتعالى من الفتوحات على يديه ، فحمد اللّه فقاموا إليه فهنأوه بذلك . ثم قال : اقرأ كتاب ابني عبد العزيز ، يصف ما فتح اللّه بعده في الأندلس ، فقاموا إليه ، فهنأوه . ثم قال : « وأما الثالثة ، فأنا أريكموها » وأمر برفع ستر خلفه ، فإذا ببهو فيه جوار مختلفات الألوان من ملساء إلى ناهد إلى منكسرة ، عليهن الحلى والحلل ، فهنىء بذلك ، وعلىّ بن رباح اللّخمىّ ساكت . فقال له موسى : « يا علي ما لك لا تتكلم ؟ ! » فقال : « أصلح اللّه الأمير ، قد قال القوم » قال : « وقل أنت » قال : « أنا أقول ، وأنا انصح الناس لك : إنه ما من دار ملئت حبرة إلا امتلأت عبرة ، ولا انتهى شئ إلا رجع ، فارجع قبل أن يرجع بك ! قال : « فانكسر موسى . ثم التفت فقال : يا فلان جئنى بهؤلاء الجواري ، هذه قم يا فلان فخذ هذه حتى أزفّهن كلهن ، فأقام بعد عيد الأضحى بقصر الماء ثلاثة أيام بعسكره . ثم رحل إلى المشرق ، ومعه طارق ، وقد قفل به وبكل ما أصاب من ( أ ) الأموال والجوهر والمائدة ، وخلّف على إفريقية عبد اللّه ابنه وكان أكبر بنيه ، وعلى طنجة ابنه عبد الملك وسار فلما . . . ومر بخربة عادية ومدينة من مدائن الأولين نزل ، فركع ركعتين ، ومشى فيها ، وفكّر في معالمها وآثارها وبكى بكاء كثيرا . ثم إنه ركب يريد الشّام ، فلما كان بالعريش جاءه كتاب الوليد يستعجله ، وجاءه كتاب سليمان يأمره بالتربّص ، وكان سليمان ولى عهده ، وكان الوليد مريضا بدير من غوطة دمشق ، فأسرع موسى ولم ينظر في كتاب سليمان ، ودفع الأموال إلى الوليد ، وأهدى إليه المائدة والدرّ والياقوت ، وذكر موسى للوليد أنه الذي أصاب المائدة وفتح طليطلة . فلمّا رأى ذلك طارق دخل على الوليد وهو مريض ، أعلمه بالقصة وأخبره أن موسى تعدّى في أموال المسلمين وأنفقها فبعث إلى موسى ، وجمع بينهما بين يديه ، وكذّبه موسى ، فقال له طارق : « يا أمير المؤمنين ، ادع بالمائدة ، وانظر هل ذهب منها شئ » فدعا بها الوليد ، ونظرها فإذا رجل من أرجلها لا يشبه بقية الأرجل ، فقال له طارق : « سله عنها يا أمير المؤمنين ، فإن أخبرك بأمر الرجل